الأربعاء 17 نيسان 2024

10:14 pm

الزوار:
متصل:

طلال درجاني استحضر روح مي زيادة على مسرح مجلس بعلبك الثقافي

محمد ابو اسبر

وطنية - بعلبك - شهد "مجلس بعلبك الثقافي"، حدثا ثقافيا ممسرحا، استحضر قبسات نور من سير ثلاثة من عمالقة الأدب: مي زيادة، أمين الريحاني وجبران خليل جبران، الذين شكلوا معا في تلك الحقبة من القرن الماضي مشهدية ثلاثية الأبعاد إن غاب أحدها تحولت إلى سريالية تجافي الواقع، وتشوِّه النّص، لذا تكامل هذا الثلاثي الاستثنائي في عرض مقتطفات من  مسرحيّة "ميّ زيادة، ليالي العصفوريّة"، التي أعدها واخرجها وصمم مشهدياتها التي تقطر ألما، وتهز المشاعر الإنسانية، وتستحضر الظلم والمعاناة بجدارة عالية، البروفسور طلال درجاني اقتباسا من رواية "مي زيادة إيزيس كوبيا"  للأديب الدكتور واسيني الأعرج الذي حرص على أن يتحرى بنفسه ميدانيا روحية ما كتب، فزار مواطن، بل موطن مي زيادة في كل من فلسطين ولبنان ومصر، محققا مع توأمه الأدبي الدكتور درجاني رجاء وحلم مي "أتمنى أن يأتي بعدي من ينصفني".

فتناول العمل الثقافي الراقي، حقبة قاسية من حياة مي زيادة، حيث كانت نزيلة مصح عقلي في لبنان، بفعل تآمر مجبول بالطمع والجشع لسلب ثروتها، فاتهمت بالجنون، وهي التي جمعت في صالونها الأدبي على ضفاف نهر النيل، لسنوات جهابزة الأدب والشعر العربي وفطاحل لغة الضاد، أمثال طه حسين، شاعر القطرين خليل مطران، ومصطفى العقاد وسواهم، بفضل عقلها الوقاد والراجح، ولمساتها الأدبية التي تشكل مدرسة يحتذى بمنهاجها.

وتميّزت الدكتورة ماريّا كريستي باخوس في تأدية دور ميّ زيادة، فجسدت شخصيتها، واستحضرت روحها إلى المسرح، فتألقت في إطلاق المعاناة التي اعتصرت قلبها وكادت تكتم أنفاسها، مرورا بلحظات ضعف كادت أن تجنح فيها إلى الانتحار، لولا العلاقة السامية مع توأم روحها جبران التي استمدت منها إرادة البقاء رغم شحنة الغضب منه التي تخالج أعماقها، أما المنقذ الفعلي الذي مد لمي زيادة طوق النجاة من المصح فهو الأديب اللبناني العروبي الإنساني أمين الريحاني، الذي لعب دوره على خشبة المسرح الدكتور عاطف العلم في مشهديات "الضياء" التي أعدها البروفسور أمين ألبرت الريحاني من إحدى أيقونات عمه أمين "قصتي مع مي"، فالريحاني لم يكتف بإنتزاعها من جحيم "العصفورية"، بل أعاد إليها الاعتبار على رؤوس الأشهاد خلال لقاء إعلامي وثقافي أعده لها في رحاب "الجامعة الأميركية" في بيروت.

استهل الحدث الثقافي رئيس "مجلس بعلبك الثقافي" حاتم شريف، مرحبا بالمشاركين بتوليفة العمل: "التقينا ع اسمك مي والعطر ريحان، والشمس عالهلا بالضيف درجاني، اسمك ماريا أيقونة الأزمان، وعاطف ال بالفن يا علم لبناني، وإله السما والبرق وريّس الأديان، وباخوس إله الخمر من عهد روماني، يرحب بأهل العلم ويعلا على الأكوان، وبعلبك تهلل بالفرح للقاصي والداني".

واعتبر أن "العلاقة التي جمعت بين مي زيادة وجبران خليل جبران قد تكون واحدة من أغرب العلاقات العاطفية التي ربطت بين كاتبين، وأكثرها التباسا ومحلا للجدل والقراءات المختلفة، إذ ندر أن شهد التاريخ المديد للعشق علاقه عاطفية بين طرفين، اقتصرت تعبيراتها على تبادل الرسائل لفترة تقارب العقدين من الزمن، دون أن يعمد أي منهما إلى هدم العائق الجغرافي والتقدم بوصة واحدة باتجاه الآخر، لكن هذه الغرابة بالذات، هي التي جعلت منهما محل متابعة العشرات من النقاد والباحثين، بحيث وضعت حولهما عشرات الكتب والأطروحات، ولم تترك نأمة صغيرة من حياتيهما إلا وتمت متابعتها بالتفصيل. أما الجانب العاطفي من العلاقة فهو يبدو رغم تطوره المضطرد من الصداقة الفكرية باتجاه الحب، أقرب إلى ما أطلق عليه جبران اسم النشيد الغنائي، أو إنشاد المنادى بتعبير هايدغر، أو مناجاة المثال الأفلاطوني الموزع بين المطلقين الأنثوي والذكوري. ففي حين يكتب جبران لمي استعطفك ان تكتبي إليَّ بالروح المطلقة المجردة المجنحة التي تعلو فوق سبل البشر، تكتب له من جهتها لما كنت أجلس للكتابة كنت أنسى من أنت، وأين أنت، وكثيرا ما أنسى أن هناك رجلا أخاطبه، فأكلمك كما أكلم نفسي".

ولفت شريف إلى أن "تجربة مي زيادة تغري الباحثين بإعادة التنقيب في تجربتها بحثا عن أسرار لم ترو. كيف يمكن لقصة معروفة جدا، بل انها تعدّ فضيحة في زمانها، تدخل فيها ملوك وساسة ومثقفون، أن تظل غامضة، وتبدو مهما حقق باحثون في أرشيفها، كما لو كانت ناقصة وأن خلفها شيئا ما لم يكتشف بعد".

الريحاني

وبدورها الكاتبة والشاعرة الدكتورة مي ألبرت الريحاني، عادت بالذاكرة إلى  زيارتها الأولى لمدينة بعلبك، وكان عمرها آنذاك 18 سنة، "وإن كان الهدف حضور مهرجانات بعلبك الدولية، لمشاهدة حفل باليه روسي، ولكن روعة المعابد أثارت في عقلي وقلبي قبل العرض سموا وارتقاء ودهشة بهذا الإبداع، ومع بدء العرض انهمرت دموعي، وبعد قليل طلّ القمر الذي أعرفه جيدا، ولكن إطلالته في تلك الليلة لم تكن للإضاءة على الناس، بل ليحضر مهرجان بعلبك".

وتابعت: "بعلبك منارة، وهي معابد للصلاة، ونحن نأتي للحج في بعلبك، لأنها نور ومن خلالها يرى العالم كله بأن لبنان الصغير بمساحته هو كبير بالثقافات والتاريخ والعطاءات للعالم أجمع، وبعلبك هي صوت لبنان وتاريخه وسفيرته في كل العالم".

وقالت: "أنا ابنة ألبرت الشقيق الأصغر لأمين الريحاني، تربيت في بيت فيه جمالية وتاريخ، كنت وأنا صغيرة أسمع الحجارة تروي قصص أمين الريحاني ومي زيادة، ففي صدر بيتنا كان يوجد 3 لوحات "بورتريه" لوجوه عمي أمين الريحاني وجبران خليل جبران ومي زيادة التي كان رسمها هو الأعلى على الجدار، وعندما سألت والدي عن سبب ارتفاع رسم مي، أجابني هي امرأة أديبة مهمة وفعلت أشياء لم يقدم عليها غيرها، ولأنها تعذبت في حياتها وضعت رسمها في الأعلى، وأطلقت تسمية أمين على أخيك لكي أعيد ذكرى عمك، وأنت أسميتك "مي" لكي ترجع مي زيادة".

وأشارت إلى أن"مي زيادة تعلمت وأتقنت 9 لغات، كتبت بالعربية والفرنسية، وترجمت من الإنكليزية والألمانية إلى العربية والفرنسية، وتعلمت السريانية واليونانية القديمة واللاتينية والروسية والإيطالية، ومي أول امرأة عربية كان لديها صالونها الأدبي في القاهرة، استقبلت فيه بين عامي 1914 و 1934 الوزراء والمفكرين والفلاسفة والأدباء والشعراء والصحافيين، ومنهم طه حسين،مصطفى العقاد، ابن بعلبك خليل مطران، ولي الدين يكن، وحافظ إبراهيم وغيرهم العشرات، وقد أغرم بها قسم كبير منهم، ولكن كانت لديها مشكلة جبران الذي لم تكن ترى سواه".

وتابعت: "كانت مي تنشر باسم إيزيس قبل أن تعتمد اسمها في النشر، ناضلت من أجل حقوق المرأة ومن أجل تعليم الفتاة ولتتمكن من متابعة دراستها الثانوية والجامعية، وكتب مقالات حول مدى استفادة المجتمع من تعليم الفتيات، وشاركت إلى جانب سيدات مصريات في مظاهرات دعما لحقوق المرأة".

وختمت الريحاني: "ساعد أمين الريحاني مي لتترك المستشفى وتحاضر في الجامعة الأميركية لتستعيد اعتبارها، وكتبت في اليوم التالي كل الصحف في بيروت أن مي بكامل عقلها، بعدها سكنت في بيت قريب من منزل أمين، وعندما توفي أرسلت برقية لوالدي كتبت فيها: "أنا أتساءل من يعزيالآخر؟ أنت تعزيني بأمين أم أنا أعزيك بشقيقك!".  

============ 

تابعوا أخبار الوكالة الوطنية للاعلام عبر أثير إذاعة لبنان على الموجات 98.5 و98.1 و96.2 FM

  • خدمات الوكالة
  • خدمة الرسائل
  • تطبيق الوكالة الالكتروني
  • موقع متجاوب